ابن كثير

71

البداية والنهاية

منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا وبارزوا أمير الفرس ، وهو شهريار ، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان بني تميم ، فتجاولا ساعة بالرماح ، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما ، ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما إلى الأرض ، فوقع شهريار على صدر أبي نباتة ، وأخرج خنجرا ليذبحه بها ، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه ، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ فرسه وسواريه وسلبه ، وانكشف أصحابه فهزموا ، فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه ، وليركبن فرسه إذا كان حرب فكان يفعل ذلك . قالوا : وكان أول من تسور بالعراق ، وذلك بمكان يقال له كوثى ( 1 ) . وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه وعلى سائر الأنبياء ، وقرأ * ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) * الآية [ آل عمران : 140 ] . وقعة نهر شير ( 2 ) قالوا : ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى نهرشير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ ( 3 ) إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه ، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط ، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران ، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا ، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرط ، قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخي سعد ، وهو هاشم بن عتبة ، فقتل الأسد والناس ينظرون وسمى يومئذ سيفه المتين ( 4 ) وقبل سعد يومئذ رأس هاشم ، وقبل هاشم قدم سعد ( 5 ) . وحمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى * ( أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) * فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة . قال ابن جرير : وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الشام أبو عبيدة ، وعلى الكوفة والعراق سعد ، وعلى الطائف يعلى بن أمية ( 6 ) وعلى البحرين

--> ( 1 ) في فتوح الواقدي : كوثاريا . وكوثى موضع بالعراق في أرض بابل ، وكوثى العراق كوثيان : أحدهما كوثى الطريق والآخر كوثى ربى وبها مشهد الخليل عليه السلام وبها مولده وبها طرح إبراهيم في النار . ( 2 ) كذا بالأصل وفي الطبري والكامل والبلاذري : بهرسير . وفي فتوح الواقدي : نهمشير . ( 3 ) في الواقدي : سرزاد . ( 4 ) في الطبري : المنن . ( 5 ) كذا في الطبري والكامل : أما الواقدي فقال في فتوح العراق 2 / 198 : ان هاشم بن المرقال قتل سرزاد وذكر بقية القصة كالأصل . ( 6 ) في الطبري : منية .